نسبية 2 – (short stories)

نسبية 2

للمرّة الثّانية، أضغط على معجون الأسنان المستنفذ ، أعصره بحركةٍ لولبية تكاد تقضي على قواعد الرّخاء قبل النّوم، ألكمه هنا أضربه هناك، لا يدرّ عليّ بأي يسير من محتواه ،أرميه وأستلقي على الكنبة أمام التلفزيون ،منكسرة … إستهتارٌ مزمن يرهقني، ينسيني الغاز الذي يلطم نفسه بحمى القهوة المتطايرة ، ينسيني مظلتي ، دائماً وفي أماكن متعددة ، ينسيني مفاتيحي المتشردة  أو كلماتي المترددة التي تخشى أن تكون متكررة متعارضة فأفضل الصّمت معظم الوقت ، ينسيني أن أغلق النوافذ قبل مغادرة المنزل أوعند هطول المطر ، وحين يحلّ المساء أرطم جبهتي براحة كفّي ، لأنّي نسيت جدّي الذي يسايرني في كلّ مرّةٍ ضاحكاً ، ويذكّرني أنّ مذياعه هو نصف حياته وأنّ هذا النّصف نفذت بطاريته . على الرّغم أنّ خبر نجاتك يا سعيد هو أجمل ما سمعت وأنّ هذا اليوم هو من أجمل ما حييت وعلى الرّغم من أّني أذكره بكلّ تفاصيله من حالة الطّقس إلى التّاريخ إلى باقة الورد التي زارتك معي إلى عينيك حين فتحتهما إلى ابتسامتك و ابتسامتي إلى هدوئك وغبطتي ، إلاّ أنّه أخافني إلاّ أنّي تمنيت بعده لو كنت مجرد مذياع أختار أثيره .

أكثر ما يؤلمني هي ثقتي بنفسي أو ربما ثقتي بك . تؤلمني ظنوني وحماقاتي . حماقاتي التي بدأت منذ  أخبرتك أنّ نورا معجبة بك ولم تنته . أكثر ما يؤلمني أنّ الأشياء التي دفعتني إلى الضحك صارت تدفعني إلى البكاء . صارت نورا إحدى أسبابه ونسبية آينشتاين وأنت . ماذا أفعل الآن ؟ أأبتهل للزمان علّه يعود ؟ الزّمن لن يعود . أأتبع إشاراتي الكونية علّها تقودني إليك كالسّحر فأنتهي أنت وأنا كبطليّ الأساطير في منزل بعيد وتتحوّل نورا إلى نحلة أو إوزّة أو سمكة نادرة في أنهارنائية ؟ جلّ ما أريده  الآن هو أن يخيب حدسي ، وأتمنى لو فرضاً أصاب ، أن تنفخ عليّ ساحرات الهوى فأختفي . جلّ ما أريده الآن هو أن أغفو . غداً ، يجدر بي أن أعوّض عليك غيابك ، فأشرح لك درس القواعد الممل ، ودرس اللغة الفرنسية . أمّا النسبية فكيف سأشرحها  ؟ أأعترف كم أنا أحبّك ، تحمّر وجنتيك ارتباكاُ وتردد بملائكيتك المعهودة أنّك تبادلني الشّعور لكنّ نورا تحبها أكثر ، فأخبط على الطّاولة وأهنئك بفظاظة أنّك فهمت النّسبية وأنصرف؟ أم أخبرك عن ألمي حين كنت أركض ناحية الغارة وأشعر بالّزمن توقف بينما كنت مغمض العينين تعدّ نفسك لدخول زمن آخر لا عودة منه . أأتلو عليك بياناً مطوّلاُ  لم تعد له أي قيمة عن يوميات ما قبل نجاتك التي فقدت الرّغبة  بتنشق هوائها و فقدت فيها رغبة الضحك والكلام والطّعام  والبحث عن أيّ جديد خارج جدران البيت ؟ أأسألك عن شعورك حين نجوت ؟ أشعرت حينها أنّ الحياة لا يمكن أن تكون أجمل ؟ كأنك خارج دورة الأرض والفصول كأنها رحلة إلى القمر.

يخترق الّصّبح النّوافذ ، يتلألأ عند أزهارٍ أجهل نوعها فأسميتها “أزهار جدّي” ، ضوءٌ يطرق أهدابي بحنان، لسعة بردٍ صباحيّة تداعب أنفي ووجنتيّ ،  كأنّها تخفف عنّي سهرة طويلة وتحاول أن تنسيني أرقاً أضناني. صوتها يأتي من مكانٍ ما ، أنهض ، أتبع الّصوت أتبع اللحن والكلمات ” يا ريت منن مدّيتن إيديّ وسرقتك،لأنك إلن رجعتن إيدي وتركتك … ” فيروز عندنا !! فيروز في المطبخ ، أخفت الّصوت . “حسبتك ستنسينها اليوم أيضاُ ،فاستبقت الموقف ” . يقولها جدّي ساخراً، أجيبه بخجل : ” لا ، كنت قررت أنّي لن أنسى ” . قبلةً طارت من أنفاسي الكريهة التي افتفدت معجون أسنانها وحطّت على وجنيته . يكتم أنفه ممازحاً ، فأضحك أخيراً . أهندس نفسي ، أتمنّى لها أخباراُ سعيدة وأنطلق .

على الرّصيف القديم ، أمشي وكأنيّ جديدة ، كأنّ الهواء لم يدخل رئتي منذ عهود طويلة ، أصل إلى مدرستي التي لا زالت تكبت خوفاً من عدوان آخر مفاجئ . تحت شجرة الزّيتون في الملعب الخارجي ، استّقرسعيد ونورا ، يناديني سعيد فأقترب . أقترب بإيجابية إستثنائية توحي وكأنّي أتوّقع منه أنّه سيجثو على ركبتيه ويخبرني أخيراً أنّه يحبني .

لن أشرح له دروسه ، يبلغني أنّ نورا ستعوّض عليه ما فاته ، فهو لا يريد إزعاجي. تهزّ رأسها بثقة وقد بدت أجمل من كلّ يوم . أبحث عن كلماتي ، عن نفسي ، عن ردّة فعل مناسبة . أأركل نورا وأهرب ؟ أأضربه على وجهه الهادئ ثمّ أعتذر . أم أؤدي دور قديسة طاهرة فأبارك له صديقته الجديدة ؟ أبتسم ، تتقمّص أسئلتي الصّمت ، ألملم نفسي وأنصرف. أبتعد عنهم ، وفي داخلي رغبة في الصّراخ ، في البكاء و في الضحك  .في عينيّ بريق يخشى الظّهور أكثر ، خجلاّ من طفلٍ يحدّق فيّ استهجاناُ ، ويبتسم لي .” يمكن لحدثين متزامنين، يحدثان في نفس الوقت في مكانين منفصلين ضمن جملة مرجعية ،أن يكونا غير متزامنين متعاقبين بالنسبة لمراقب في جملة مرجعية أخرى” ….النسبية مجدداً يا سعيد ! أضحك ، أنفجر بالضّحك.

 جلّ ما يؤلمني أنّي فقدت أثيرك . جلّ ما أعرفه أنّك جملتي المرجعية ، أنّ الضوء لا يحتاج إلى أثير ينتقل فيه ، فهو لا يرتبط بجملة مرجعية . جلّ ما أريده هو أن أكون مجرد ضوء .

Jana El Ahmar

Advertisements

About janbein

Gamer research Biologist who loves art, space and sports.

Posted on December 3, 2011, in freedom of speech, Funny, Love, make me smile, Sarcasm and tagged , . Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: