“هيهات منا الذلة”.. أكثر من شعار، أكثر من ثورة!
أكثر من ثورة، أكثر من انتفاضة.. هي مدرسة في التضحية والوفاء، في الالتزام والتقوى، في المقاومة والصمود، في التشبّث بالحق والأهم من ذلك في الانتصار..
إنها الثورة الحسينية المبارَكة التي يتذكّرها العالم مع بداية كلّ سنة هجريّة، ثورة كل مظلوم على كلّ ظالم وكلّ صاحب حق على من سلبه إياه، الثورة التي تحوّلت إلى نموذج يُحتذى وجعلت الساكت عن الحقّ “شيطاناً أخرس” فعلاً لا قولاً . ولأنّ هذه الثورة تجاوزت الوجدان الاسلامي إلى الوجدان العالَمي، بات قائدها الإمام الحسين عليه السلام، صاحب مقولة “إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما“، رمزاً لا يمكن أن ينحصر بطائفة أو مذهب، وهو الذي أعطى مفهوماً مختلفاً لـ”الثورة” و”النضال” بل “المقاومة”، على حدّ ما أكّد معظم من واكبوا حركته واطّلعوا على سيرته وتعلّموا من مدرسته الخالدة.
“خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدّي”…
من هذه العبارات التي ردّدها الإمام الحسين عن جدّه رسول الله، كانت انطلاقة ما بات يُعرَف بالثورة الحسينية والتي تشير الروايات إلى أنّ الإمام الحسين لم يُقدِم عليها إلا بعد ان انسدت امامه جميع الوسائل وانقطع كل أمل له في اصلاح الامة، وانقاذها من السلوك في المنعطفات، وهو ما يجسّده بقوله “وإني لم أخرج أشِراً ولا بطراً، ولا مُفسِداً ولا ظالماً، وإنما خَرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جَدِّي محمد صلى الله عليه وآله“. هكذا، انطلق الحسين ليؤسس معالم الاصلاح في البلاد، ويحقق العدل الاجتماعي بين الناس، ويقضي على أسباب النكسة الاليمة التي مني بها المسلمون في ظل الحكم الاموي، بقيادة الطاغية يزيد، الذي ألحق بهم الهزيمة والعار.
ويعود أصل هذه الثورة إلى مبايعة يزيد وما نتج عنها من ظلم وطغيان فضلاً عن استعباد الامة واذلالها، ونهب ثرواتها. ويقول الإمام الحسَين “إنَّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فَتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل شَاربُ الخُمورِ، وقاتلُ النفس المحرَّمة، مُعلنٌ بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أيّنا أحَقّ بالخلافة“. وهكذا، خاض الامام الحسين، الذي رفع شعار “هيهات منا الذلة”، المعارك البطولية باسم الأمّة لتحقيق الإصلاح ورفض المذلة، وهو القائل “لا وَالله، لا أُعطِيكُم بِيَدي إعطَاءَ الذَّليل، وَلا أفِرُّ فِرارَ العَبيد“، فكان مفهوم “التضحية” الذي جسّده الإمام الحسين بكلّ ما للكلمة من معنى حين ضحّى بكلّ شيء وبنفسه ليرفع راية الحقّ وليعطي درساً لكل مظلوم، في أيّ مكان من العالم.
الثورة الحسينية كلّها عِبَر ودروس
ويوضح الشيخ الخشن لـ”النشرة” أنّ أهمية الثورة الحسينية تكمن في ضرورة أن نرتفع إلى حجم المسؤولية التاريخية كما ارتفع الإمام الحسين إلى حجم المسؤولية التي رآها ملقاة على عاتقه حين وجد أن الانحراف قد أصبح عاماً. ومن دروس الثورة الحسينية أيضاً ضرورة أن نعمل لنكون أعزّاء وأن نرفض الذلّ والهوان أمام كل الاستكبار والأعداء وعلى رأسهم إسرائيل وأن نعمل لنكون الأمّة القوية العزيزة لأننا في عالم لا يحترم إلا الأقوياء. وفيما يأسف الشيخ الخشن لأنّ “واقع أمتنا مزر مشتّت مفتّت مهترئ”، ويسأل كيف أنّ أمة تربو على المليون لا تستطيع أن تحلّ مشكلة من مشاكلها وعلى رأسها القضية الفلسطينية، يلفت إلى أنّ الثورة الحسينية يجب أن تعلّمنا أيضاً أن ننكِر المنكَر، مشدداً على أنّ العبرة هي أنّ الحسين يمثّل صرخة حرية في وجه ظالم مستبد، وهو بالتالي يجسّد كل معاني العزة والحرية والاباء.
من جهته، يشدّد إمام مسجد القدس في صيدا الشيخ ماهر حمود على أهمية القيم والمعاني التي تحملها السيرة الحسينية بين طيّاتها، حيث يلفت إلى الاجرام الذي جسّده يزيد على امتداد السنوات الثلاث التي أمضاها في الحكم، الذي أثبت المؤرخون جميعاً أنه لم يكن حكماً سليماً. ويلاحظ الشيخ حمود أنّ القرآن كرّر ذكر موسى وفرعون عشرات المرات ليس ليسرد سرداً بل ليثبت أنه هناك دائماً في وجه كل موسى فرعون وفي وجه كلّ مصلِح من يقف في وجهه. ويتوقف هنا عند سورة الأنعام، وتحديداً الآيتين 112 و113: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ“، “وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ“. ويوضح أنّ هاتين الآيتين، اللتين تؤشران إلى الاستمرارية، تؤكدان أنّ هناك دائماً في وجه كل نبي من يواجهه ويستعمل زخرف القول لاقناع الآخرين.
عزّة وشهامة مقابل خساسة في أعلى مستوياتها!
ولا يشكّك الشيخ حمود بهذا الخلود لثورة الحسين، ويعرب عن اعتقاده، في سياق حديثه لـ”النشرة”، بأنه يعود بشكل أساسي إلى المعاني التي تحملها، حيث أنّ “الفكر الذي تحمله المقاومة التي تسخّر المعاني الحسينية بوجه الصهاينة المحتلّين هو الموقف الحسيني المطلوب من كلّ المسلمين”. ويلفت إلى أنّ فكرة الإمام الحسين طبّقها كثيرون وأثبتوا أنّ من يسير على هذا الدرب يثبت استمرارية، ويعطي مثالاً على ذلك عز الدين القسّام الذي واجه المحتلين على الطريقة الحسينية والذي لا تزال ثورته مستمرّة رغم أنه مضى على استشهاده 75 عاماً. ويخلص إلى أنّ الذي يبذل دمه ونفسه وأهله وأعوانه في سبيل إحقاق الحق هو الخالد، فيما الذي يساوم ويفاوض هو الذي يذهب ويسقط.
“لو كان الحسين منّا لنشرنا له في كلّ أرض راية”…
لا شكّ أنّ النهضة الحسينية كانت نهضةً إنسانيّةً بامتياز، في أهدافها ومنطلقاتها وفكرها ورسالتها، وهي تحمل كلّ عناصر الفكر الإنسانيّ، وكلّ القيم الإنسانيّة المتسامية، وبالتالي فهي لا يمكن أن تكون محصورة بدين أو مذهب، ذلك أنّ الإمام الحسين تحدث عن أمَّة جدّه التي تتنوَّع في كل مذاهبها، وفي كل خطوطها، وفي كل أوضاعها العامة. ولعلّ تفاعل مختلف الأديان والحضارات مع رسالة الإمام الحسين خير دليل على أنّ ثورته تخطّت الوجدان الإسلامي، ويحضر هنا على سبيل المثال قول المفكّر المسيحي أنطوان بارا “لو كان الحسين منّا لنشرنا له في كلّ أرض راية، ولأقمنا له في كلّ أرض منبر، ولدعونا الناس إلى المسيحية بإسم الحسين“.
الحسين كان كبيراً.. فلا تقزّموه!
ويلاحظ الشيخ ماهر حمود أنّ النصوص التي يعتمد عليها قرّاء التعزية في المجالس العاشورائية هي في كثير منها نصوص كتبها علماء سنّة، وفي مقدّمهم الامام الطبري، وهم أجمعوا على أحقية موقف الإمام الحسين بشكل لا يحتمل أيّ تأويل. ويشير الشيخ حمود إلى أنه إذا خرج عالم أو إنسان شاذ وحاول تبرير ما حصل في كربلاء والدفاع عن يزيد، فإن هناك عشرات يخرجون في المقابل ويدينونه ويؤكدون أن الأمر ليس كذلك، معتمدين بشكل أساسي على نصوص سنّيّة.
أمّتنا بحاجة لثورة إصلاحية على كل المستويات..
ولأنّ “كلّ يوم عاشوراء كلّ يوم كربلاء” كما يقول الشعار الذي يرفعه المؤمنون كلّ عام ليدلّوا على أنّ عاشوراء لم تنتهِ بعد وهي تتكرّر بصورة يومية وإن بأشكال مختلفة، يشدّد الشيخ ماهر حمّود على أنّ اليزيدية (التي مثّلها يزيد) هي جزء من الفرعونية المستمرة في التاريخية، فيما الحسينية هي جزء من الموسوية والمحمدية والعمريّة والعلوية وكل الذين وقفوا في وجه الباطل. ويلفت إلى أنّ هذا الباطل مستمرّ في يومنا هذا من خلال الظلم الذي نشهده على مختلف المستويات، والمستوى السياسي أحدها. وهنا، يتحدّث الشيخ حمود عن المحكمة الدولية، التي يصفها بـ”الأميركية الاسرائيلية”، والتي يعتبرها تكريساً لهذا الظلم وهذا الباطل، إذ “تتجرأ على قادة كرام في المقاومة نحن نعرفهم ونعرف أنهم أشرف وأنزه من أن توّجه لهم تهمة دنيئة على غرار جريمة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري أو أي جريمة أخرى. ولكنه يؤكد أن الحق سيتحقق في النهاية كما علّمنا التاريخ وكما علّمتنا التجربة الحسينية نفسها، ويلفت إلى أنّ الله يختبر نوايا المؤمنين وثباتهم.
نداء الحسين… لا تتقاتلوا باسمي!
برأي الشيخ حسين الخشن، فإنّ نداء الامام الحسين هذا العام لأنصاره وجماعته إذا صحّ التعبير، أي لمن يهتفون باسمه ويبكون عليه، يكاد يكون: “كونوا وحدويين لأن الأمة مهدّدة بالفتنة العمياء”. ويذكّر الشيخ الخشن أنّ الإمام الحسين كان ثائراً وبذل دمه لكنه حاول قبل ذلك أن يصلِح، وبالتالي فإنّ نداءه إلينا هو أن “أيها المسلمون إن إسلامكم قبل كل اعتبار، قبل مذهبياتكم الضيقة وكهوفكم المظلمة. إنّ إسلامكم بخطر فاحرصوا على أن تكونوا إسلاميين كما كان الحسين“.
هكذا، وباختصار، فإنّ نداء الحسين لنا جميعاً هو أن نتقاتل باسمه وأن لا ننبذ بعضنا بعضا باسمه وأن لا نستعدي أحداً من المسلمين باسمه. “هو أكبر من ذلك”، يقول الشيخ الخشن حازماً، “هو إمام لكل المسلمين، هو إمام إنساني بامتياز“، يقول الشيخ الخشن، لعلّ صوت الإمام الحسين الذي حاول نقله يصل إلى من يجب أن يصل إليه، ولعلّ كل من يهتف باسمه ويبكي عليه اليوم يتذكّر أنّ الحسين الإنساني والحقيقي ليس هو حسين الحقد بل هو حسين الحب لله وللناس، حسين الحياة وحسين العاطفة والفكر، وقبل كلّ شيء، حسين السلوك..
Elnashra – “هيهات منا الذلة”.. أكثر من شعار، أكثر من ثورة!.