نسبية 3 – (short stories)

نسبية 3

يسكته جدّي بطريقةٍ توحي كأّنّه أراد إسكاته إلى الأبد ، فيسقط المذياع أرضاً .”صهاينة ولاد كلب، بعد ما شبعوا دم ؟” يأردف وينحني ليطال بطارية  وقعت هنا تحت الطّاولة قربه، ثمّ يتحسس الكنبة حيث يرجّح أنّ تكون كبسة الّزرالعتيقة  قد انزلقت إليها واستقرت في خباياها . تهبّ “طانت “كريمة لعونه في التّنقيب عمّا خانه العمر في العثور عليه ثمّ تقول بلهجةٍ ضاعت بين طلبٍ ورجاءٍ وتأنيب :”يا عمّ  روق، أبيسواش تسمّ بدنك هلقد كرمالك كرمال صحتك …الله يخلّيك “. أحبّ “طانت” كريمة ، فهي لا تشبه أحداً سوى نفسها ، وتبدو رغم الأسوَد الذي أثقلها – منذ رحيل زوجها- خفيفة ، ورغم ضحكتها البيضاء خائفة خوفاً لا لون له ، تبدو رغم هدوئها تدور . تدور قلقة حول محورٍ لها إسمه”سعيد” . تخشى عليه  من نور الشّمس إن تمادى ومن الذبابة إن حطّت على خدّه  . توبخّه وقد وقعت عينيها العسليتين على إحدى البطاريات تحت قدمه “شو بك لك يا إمّي ، مش حاسس بالبطارية تحت إجرك  ، تحرّك وشيلا  .” يبدو سعيد كأنّه “مش حاسس بشي ، كأنّه لا يجيد الكلام ولا الإصغاء ولا الحراك ، كأنّه من مجاهل قارّة أخرى في بؤس وطنٍ غير الوطن الذي نسمع أخباره كلّ يوم ،نشتمّ  فيه رائحة الموت ، ونحصي مع مذياع تحطّم عدد الشّهداء فيه بعد وحشية كلّ تصعيدٍ إسرائيلي .

ينحني سعيد كصنارة قديمة ، يمسك البطارية ويرميها إلى أمّه فيضعها في حضنها هدفاً ثمّ يطلب منها ألاّ تتعب نفسها لأن البطارية التي داس عليها لن تبعث المذياع حيّاً. يقف ، يعتمر قبعته السّوداء ويتهيأ للخروج بحثاً عن بديل في وقتٍ بدأت تشنّ فيه بقايا الشّموع  أولى حملات الغدر . يصفق الباب خلفه ، يترك في قلب أمّه التي حاولت قمعه صدعاً ، على لسان جدّي تمتمات تتأرجح بين لعنةٍ وصلوات ، لكنه معي لا يترك سوى أن ألحق به .

عتمةٌ مخيفة تغطّي الطّريق فتخفي ملامحه ، أخشى من وقع قدمّي عليه من صورتي فيه ومن صوتي . صوتي العالق الذي لم ينادي سعيد بعد . أتبعه بهدوء سريع ، بهدوء مجنون نعزفه معاً في ليلةٍ قد تكون الأخيرة . أتبعه وأسأل نفسي “أيّ مختلّ يبحث عن مذياعٍ في وقتٍ كهذا ؟” لست أدري أين نحن أو إن كنّا أصلاً معاً ، فالعتمة صارت “زمكان”  تعرض أمامي شريطاً أكرهه وأخشى تكراره ، شريطاً طوله طول الطّريق التي مشيناها. تلك الطّريق التي لو تعلم كم جعلت قدماي تصطكان يا سعيد ،هلاّ تبطئ خطاك قليلاً، هلاّ تلتفت إلى الخلف للحظات ؟ متى سترأف بي ،متى ستفهم أنّي تعبت  ؟ تعبت من البحث عنك في النّور، في العتمة ، تعبت من محاولات تسليط الضّوء على نفسي . أنا هنا خلفك ، أتسمع وقع أقدامي؟ أتسمع أنفاسي ؟ أنا هنا ، هنا ، قرب منزلٍ أعرفه أعرف بابه الخشبي الأحمر وشبابيكه القديمة . ربّي إجعله حلماً ، ربّي كيف نرجع الشّريط إلى الوراء ؟

يصعد سعيد درجاته الثلاث العريضة ويطرق الباب ، تفتح له السّيدة بشرى التي تعتقد  نفسها أنّها من أجمل نساء الأرض ثمّ تطلّ نورا التي ورثّت عن  أمّها المعتقد نفسه ، يبتسم سعيد أخيراً ، أمّا أنا فأشاهد اللقطة من بعيد ، من هذا البعيد الذي لطالما أخافني وتجنبت الوقوع فيه ، هذا البعيد الذي تضمحّل ألوانه وتأخذ الأشياء فيه أشكالاً غير تلك التي كانت عليه ، هذا البعيد الذي يجعلك ترى دون أن تكون بالضّرورة مرئي تماماً كالعتمة .

تغلق نورا الباب يترك سعيد على جبينها قبلة ينزل الدّرجات العريضة الثّلاث فيقع نظره عليّ ، يقترب منّي، يسألني بذهول ما الذي أتى بي إلى هنا، أجيبه أنّه البديل” ظننتك ستحضر عن المذياع المحطم بديل.” ييتسم .تكون سذاجتي أحياناً بلا حدود .

 نمشي عائدين   حيث الصّمت و العتمة تلّف ملامحنا  ، نخطو بحذر و أجهل  أين نحن أو إن كنّا أصلاً معاً . لا لسنا معاً ، بالتّأكيد لسنا معاً ، فسعيد لا زال هناك عند الباب الخشبي الأحمر أمّا أنا فصرت في مكانٍ بعيدٍ بعيد …

Jana El Ahmar

About janbein

Gamer research Biologist who loves art, space and sports.

Posted on December 10, 2011, in freedom of speech, Funny, Love, make me smile, Sarcasm and tagged , . Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: