نسبية 5 – (short stories)

نسبية 5

أديرها يساراً ثمّ يميناً ثمّ يميناً ، ثمّ يعتريني شعورانتشالها من جذورها

المجهولة وتحطيمها دون رحمة علّها تكفّ عن التنّقيط وتحبس ماءها في جوفها لتختننق.

تستمر حبّاتها في الهروب ، تهرب واحدة تلو الأخرى ، تتزحلق في قعر المغسلة وتنتهي

كأيّ متمرد أحمق خلف حديدة المصرف. تسقط برتابة كأيّامي ، كورق الزّهر الذي حمّلته

اسمك ، كدمعة . أمسحها و أحاول التّركيز من جديد . أعاود العبث بحنفية فاسدة ،

أتحسسها كطفل يكتشف الأشياء للمرة الأولى . أتعب ، …أعجز ، أخلع القفازات القذرة وأنصرف.

أفتح باب غرفتك أتفقدها ثمّ أغلق بابها بإحكام وهدوء كأنّي أخفي فيها أثمن

أشيائي. وأزهارك ؟ يا لها من أزهارك ! كلّ يوم أرويها ، لا . لا ليس كلّ يوم . نسيت…

لعلّها لهذا السّبب تذبل؟ أمن شدة الريّ تذبل ؟ أزهارك وقحة يا جدّي . جميلة لكن وقحة ، كجدران بيتنا،

 كلّها وقحة ، كلّها ترشح، من سقفها ، من سفحها من كل مكان .

فكّرت في الليلة الماضية أن أحمل فراشي وأغفو تحت المطر ، أليست الحبّات التي

تنهمر من السّماء خيراً من تلك التي يرشح بها سقفي؟ لا تخف ، كانت مجرد فكرة معلقّة

التّنفيذ . لقد بقيت في فراشي أسمع صوت طرقها على النّوافذ ، وتذكرتك . ففي ليلة

كتلك أخبرتك أنّي نكست خطبتي ، أتذكر ؟ لست أذكر كلماتي بالتّحديد ،… لكنّي أشعر

بشيء من الحرارة يتمدد في كل أجزائي حين يراودني أنّي كررت الكلمات نفسها ولم أحك

جملاً مفيدة.غمرتني وحين غمرتني بكيت … وصمتت . كيف عرفتَ حينها؟ كيف عبّرت عن

كل ما عجزت في التّعبير عنه ؟ يا قارئ أفكاري … في اللحظة التي أنهيت كلامك ،

كانت السّماء لا تزال تمطر ، والبرق لم يهدأ بعد. أسقط السّقف على جبينك قطرة ماء ،

تنبهت لها ” بس إنت محلّي شو بتعمل؟” ثمّ سألتك سؤال آخر دون أن أفسح لك للإجابة

مجال . ” زعلان منّي ؟ ما تزعل ، ردّة فعل ” كانت عينيّ تغمز لك بدلال . نويت حينها

أن أقول مبررةً ” كنت بدّي ربّيه لسعيد !” لكنّي أكره التّبرير فصمتت . “تصبحي ع

خير” انصرفت وأنت تحفّ جبهتك بكفّك كأنكّ تمسح عنها خربشات فحم . خربشات تشبه ما

كتبته “وأنا أصرّف سعيد في صيغة الغائب ” وأحشره كصرصار ضعيف ، في زاوية من زوايا

ورقتي، أجدل أرجله وألف شاربيه وألونّ سواده بحبري . لكنها كلمات ! كانت كلمات

تتحلل كبراز القطط في التّراب وتحلّق كخفافيش الليل . في تلك الليلة ، قطعت عليك

وعداً بأن أكون نفسي . وها أنا ذا على وعدي ، أحاول أن أصلح حنفية فأفشل وأن أمنع

زهرة من الذّبول فأفشل وأسدّ الثّقوب في الحائط فأفشل أيضاً . ها أنا نفسي … أدور

في البيت وحيدة كمكوك فضائي يهتزّ فرحاً حين يطرق بابه سكّان الأرض . إنّه هو “سعيد “

، منذ رحيلك ما مرّ يوم دون أن يزورني ، زيارات مقتضبة ككلماته . أتعتقد أنّه لا

زال غاضباً منّي ؟ لا .لكّني خجولة من نفسي ، من أفعالي”الولاديّة” ، ألا يحقّ لي

أن أحتفظ ببعض الأفعال الولاديّة ؟أأخبره عن الثّقوب والحنفية ؟ لا . بلا سأخبره .

نتوّجه نحو المغسلة ، يتفحصّها وأتفحصّه ، أراقب حركاته كلّها وتفاصيل وجهه

كلّها ، ثمّ ننتقل إلى الغرفة التي تمطر، يرفع رأسه إلى الأعلى فتسقط في عينه قطرة

ماء ، نضحك . ثمّ يسود الصّمت .إنّها المرّة الأولى يا جدّي الذي أشعر فيها بروعته.

رسائل عينيه توحي أنّه لم ير ضحكتي من قبل . يمشي خطوتين ثمّ يتوقف ثمّ يمشي

خطوتين ويسألني “ما شي الحال ؟” أهزّ رأسي “بدّك شي ؟” أهزّ رأسي ثمّ أستدرك “قصدي

لأ” . “ما بدّك شي ؟” يكرر السّؤال . “لأ شكراً ” أجيب . ” حقلّك شي ” ، يصمت ” أنا

بحبك ” ثمّ ينصرف.

لو كنت هنا يا جدّي لرأيت وسمعت ، لو كنت هنا لشعرت بروعة ما لا أستطيع أن أخبرك عنه .

فالكلمات كبراز القطط ، كخفافيش الليل ، كحبّات الماء التي تنتهي خلف حديدة المصرف.

Jana El Ahmar

24-11-2011

About janbein

Gamer research Biologist who loves art, space and sports.

Posted on December 24, 2011, in freedom of speech, Funny, Love, make me smile, Sarcasm and tagged , . Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: