ثرثرة by J.A.

بقي من الوقت ساعتين ، سأرحل قبلها بقليل أو قبلها بكثير وأترك دقائقها لكِ ، ترشفين قهوتك على عجل تعيدين تفقد أغراضك بهوس للمرة العاشرة ، تكملين مقطعاً من كتابٍ لم تنهه بعد أو تستمعين إلى إحدى مقطوعاتك الموسيقية . سأترككِ قبلها بقليل وأترك بعض دقائقها لنفسي، التي ستغادر بنفسها  دون أن يسلخها الوقت عن التحديق إليك ، كلّك ، وأقف وحدي في الفلا الخارجي الغير مخصص للإنتظار، حيث الهواء ثقيل وقطّةُ على حافة الرّصيف تموء،وفودٌ  تجيء ووفودُ أخرى تروح ،قبَلٌ منثورةٌ هنا  ،هناك أيادٍ تعلو وتلوح، عمّال المطار ينقلون الأمتعة يثرثرون قليلاً، كثيراً ، أبتعد عنهم ، أبحث عن بعض السّكون ، أجده فأقف . ماذا تفعلين في الدّاخل يا ترى ، ألا زلتي تتفقدين أغراضك وأوراقك؟ أتداعبين طفلاً صغير كمحاولةٍ منك لمواصلة الإبتسام  وتقطيع الوقت  ؟ أتفكرين بي ؟ لا ، لا تفكري بي .فأنا  لا زلت على ما يرام . أنتظر.أنتظر  طائرتك،التي سأراها تقلع تعلو وتغيب. أو ربما أنتظر أكثر، أن تخرجي من هذا الباب بمعطفك الأسود الذي أحبّه ، تبحثين عنّي فأفهم دون أن تحكي أنك لن تغادري .أسيحصل هذا الليلة فيما العالم يترقب كعادته قدوم العام الجديد ؟ أنا لا زلت على ما يرام ، أحلم .أطارد ظلّ ابتسامتك التي روّضتها جيّداً  فقط كي لا تبكي ، كي لا أبكي .ها قد خرجتْ، أتبكين الآن إذن؟ لا ، أعلم أنّك لن تفعلي .

 نصف ساعة تبقت لمغادرتك ، ساعة لقدوم العام الجديد الذي تركتِ حقّ حضانته لي  وحدي فيما أنا لا أرغب بذلك أو لا أقوى على ذلك . تركتِ العام الجديد لي وحدي ، طفلاً  غافياً على كتف مدينة متثائبة ، ستفتقدك مثلي تماماً، بكل تفاصيلها اليومية ، بصبحها الحذر وليلها المجنون ،بصيفها الذي لا نطيقه وشتائها الذي ذهب ولم يعد، باستفزاز زحمتها لأعصابي ، وقضاء ضجيجها على ما تبقى منها . سأكمل صياغة الحلم وصناعة الأمل وحدي ،  في هذا الوطن الصغير  الذي سلبني كلّ شيء، حتّى أنتِ! هذا الوطن الذي لا زلت أقف احتراماً لنشيده الوطني وأصفق مع المصفقين ، كأنّي أحتفي معهم بم تبقى عندي من وطنية ! أأنت سعيدة إذن ؟ أأتيتي لترحلي فقط ؟ فلتحتفل أيّها الوطن ، امرأتي مهاجرة ، وضّبت في حقائبها خمس سنوات ومشت . فلتحتفل ، كفرك أقوى من حبّي …

 أعبث بهاتفي الخلوي ،أنظر إلى السّاعة ، دقائق معدودة  وتغادرين ، أشيح بنظري إلى مدرج المطار  تدفعني ثقتي بنفسي وأحلام اليقظة أن أنظر إلى الباب الرّئيسي، علّ أمنيتي على أبواب العام الجديد تتحقق ،ها هي امرأة بمعطف أسود أراها من بعيد، تقترب ،أهي أنت ِ؟ تركض نحو رجلٍ وامرأة ، تغمرهما ، يغمرانها ،لست أنت .أنا لست على ما يرام.أهذي.أعيد نظري إلى المدرج. إنّها السّاعة الحادية عشرة والنّصف، طائرة تقلع ، تعلو وتغيب . من هنا ، لم يبقَ إلاّ أن أتمنّى لك رحلة هادئة ، تحطّ في ختامها العجلات على الأرض الجديدة بسلام . كدت أنسى … أتمنى لك “عاماً سعيد “.

جامدُ في مكاني، أفكّر كيف سأوّدع هذا العام ،أين سأركل هذا العام ،أأعود إلى المنزل فتقع عينيّ حين أدخله على صورٍ لكِ، لنا ، فأخرج .أو أكون أكثر إيجابية فأبتسم أتجاهلها وأدخل غرفة الجلوس فأختلط مع  كتبك الموّزعة بفوضوية تشبهكِ :كتب الطّبخ التي لا فائدة منها بعد اليوم ، مجلات الموضة التي لم تستهوني يوماً،كتب الشِّعر القديمة  باللغة  الفرنسية التي لا أحبّها ، فأرتّبها وأبدأ عاما منظّم …؟ أو أذهب إلى بيت أمّي كصبيّها الصّغيرالعائد من المدرسة بوجنيتن حمراوتين، غاضباً من رفاقه والمعّلم وثقل الحقيبة على ظهره ، أطرق بابها فتتفاجأ بي ، تغمرني وتبتسم ، فيما أنا أجهش بالبكاء .

أنا لست على ما يرام ، أبكي . أسمع صوت المفرقعات يعلو خلفي ، ألتفت نحوسماء العاصمة ، أراها ثغراً أسود يتقيأ خيوط ملوّنة ، العاصمة تحتفل . إنّه منتصف الليل ، العام الجديد وصل ، سيّدتي غادرت . حسبتني انتظرت رحيلها عام .عمّال المطار يضحكون ، يثرثرون ، يثرثرون أكثر ، أمرّ بقربهم فيتمنون لي عاماُ سعيد ،أتمنى لهم و لنفسي عاماً بأقل خيبات عابرة …

Jana el Ahmar

31-12-2010

About janbein

Gamer research Biologist who loves art, space and sports.

Posted on December 31, 2011, in Uncategorized. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: