زلّة قلم

لم يعد الأمر سرعةً … لقد تخطّاها و تحوّل إلى طاقةٍ أخرى قادرة على فكفكة مصراني الملتف ليطير خلفي كذيل حيوان غبيّ يصرخ من الألم . السّرعة تؤلمني ، وصوت صفّارة الإنذار يؤلمني أيضاً . أتمنى لو تمضغها ذرّات الهواء الباردة وتبصقها في المجهول لأنعم ببعض السّكون وأستريح …لأنعم بصوت أمّي ، فقط صوت أمّي .

 يشتد الألم ثمّ يقترب الموت فأشعر بهما دون تمييز ، ينصهران ، يصبحان كالفرق بين ماء شديد البرودة  ولهيب النّار …وأنتهي هنا  حيث  البرد والصّمت والغموض والجمود .انتهيت ياأمي. انتهيت .  فلتترجلي من سيارة الإسعاف ، هكذا وببساطة ، ولترسمي على وجهك ابتسامة ثأر،  بل ابتسمات ثأر ، ولتنثريها كالفراشات والنّجوم في السّماء ، ولتطلقيها كالبوالين لأتحسسها ثمّ أنفخها إليك… مع حبّي .

 أمّي ، أشعر بقدمي حاولت أن أتحسسها مراراً فلم أجدها . لكنّي أقسم أنّي أشعر بها ، أشعر بها ، أشعر بها … لن أكررها كثيراً ، فمنطقي الفلسفي المرتكز على تكرار الشّيئ للإيمان بحصوله كان دون منطق .  أين قدمي ؟ أتذكر أنّي لحظة فتحت عينيّ في الصّباح كانت لا تزال جزءاً منّي … أين هي  ؟ أتطايرت أشلاؤها ؟ أين حطّت ؟ أعلقت بين فتحتي الباب فيما كنت أتهيأ للخروج ؟ أصار البحث عنها مضني ؟  أريد قدمي  . دعيني أتحوّل إلى زهرةٍ تتجدد أعضاءها حين تبتر ، أو إلى دمية تصلحين ساقها السّمينة حين تنكسر ، دعيني أرحل من هنا وأتحّوّل إلى قنبلة موقوتة تنفجر تحت وسائدهم وفي حقائبهم المدرسيّة  ، دعيني أرسل لهم قدمي المبتورة هدية ، ليعلّقوها فوق أسرّتهم ليقطّعوها ويسدلوها جداديلاً من شعرهم وهم يصلّون في المبكى  . دعيني أعود إليك ، إلى رحمك ،يعيد الله تكويني ونبدأ من جديد .

 خذيني إليك ، دعيني أنسى الأمس . قولي  أنّي سأكبر،  سأنجب أطفالاً وسأعلّمهم الخطوة الأولى ،  قولي ما تشائين ، فكلماتي صارت كخطواتي ناقصة ، تشقّ طريقها بعرج . عرج يشبه خطى الأطفال التائهة بين قفزة ونصفها وسير مستقيم لكنّه عرجٌ أبدّي ، سأحمله معي كرفعة أنفي العالقة إلى الأعلى والتي لم تصلحها صفعة يدك على أصبعي الصّغير فيما كنت أقلّد أنف الخنزير . أتعتقدين فعلاً أنّ إصبعي هو السّبب ، متى ستدركين أنّ أنفينا متشابهين كالظّلال وأنّ الأصابع لا تغيّر الوجوه ؟

أمّي ، لا تغضبي … لن أسمح لهذا الطّبيب أن يحشر هذه القدم الإصطناعية بجسدي . فليتركني هكذا . سأعتاد الأمر ، لن أحتمل هذ القطعة الغريبة معي . دعيها هكذا . أبعديه عنّي . أقسم إن أضافها  فسأحوّلها إلى مسّودة ، سأملأها ببيوت الشٍّعر وأقوال الحكماء لتصير تحفة فنية وأصير مهزلة ، أوسأمضغ كل أنواع العلكة وألصقها عليها حتّى تصير وكراً للجراثيم وأصير مقززة . لا أريد أن أكون مقززة . أريد أن أخرج من هذه الغرفة  الجافّة التي تشعرني أنّي ناقصة أو “قدم ناقصة” ، تشعرني أنّي لا شيء . أريد أن أخرج إلى العالم ، أتنشق بعض الهواء لأشعر أنّه  في داخلي … لا زال بعض الحياة .

أمّي تمنيت في الليلة الماضية أن أفرغ  لعابي هنا كحشرة  تجدد أطرافها بلعابها . تمنيت أن أقسمه نصفين ، أجدد بالأوّل قدمي المبتورة ، والثّاني أحمله بجناحي وأفرغه على ظهور الوحوش الذين بتروها . يزداد كرهي لهم يوماّ بعد يوم وأخشى  أن ينقلب  هذا الكره وحشية … فأصلّي . أتذكر في الصلاّة ربّي وأنت وأشتاق إليك . أتمنى أن تمضي أيّام العلاج القليلة بسرعة لأعود وترين قدمي الجديدة التي أروّضها . هيئي لي دفاتر التّلوين وفراشات شعري وملا بسي الزّهرية ، حين أصل سأقودك أنا  في نزهةٍ برّية ، لن أركض كثيراُ ، لعلّي لن أركض أبداً ، لكن يمكننا أن نمرح بطريقةٍ أخرى . أخبرني الطّبيب الإنجليزي اليوم أنّي فتاة جميلة تستحق الحياة ، أنّي سأكبر وسأحبّ رجلاً نبيلاً ( ذكّرني حينها بالعرّافة التي تدور في حيّنا ) كدت أتمادى وأسأله عن إسم الرّجل النّبيل … لكنّي ابتسمت له بخجل ومضيت بخطى مترنّحة فيها  من الأمل الكثير الكثير …

 

 ملاحظة : هذه القصّة مستوحاة من واقعة حصلت في الجنوب اللبناني أثناء محاولة إغتيال عنصر في المقاومة عند خروجه من منزله في الصّباح الباكر . لم تودِ القذيفة بحياته بل بترت ساق ابنته التي  كانت تتوجه إلى مدرستها  .

 

جنى الأحمر 19-1-2012

Advertisements

About janbein

Gamer research Biologist who loves art, space and sports.

Posted on January 21, 2012, in Events, freedom of speech, Love and tagged , , , , . Bookmark the permalink. 13 Comments.

  1. Ra2e3a 😀

  2. Ktir 7elwe…

  3. Rawan walid shahien

    Its very touching </3 , nice words

  4. Beautiful piece…well done 🙂

  5. Loved it. It was a pleasure to read.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: