صلِّ لنا
صلّي لنا …
إلى كلّ مقاوم شهيد في الذكرى ال12 لعيد المقاومة والتّحرير .
لعلّه قد مرّ وقت طويل على هذا الورق المحنّط الذي يرفض أن يمتلئ . سئمت منه ، فرحلّته زوارق صغيرة . سئمت من عناده ومن شكل رقعة الدّم التي سالت من ناموسة عرّت نفسها على بياضه ، فأرديتها قتيلة دون عناء . سئمت منه مراوحاً للحرّ وطائرات أسفار للضّجر .
ما نفعها الأوراق إن كانت ستبقى هنا ، إن كنت سأكتب كما في كلّ مرّة لك، ثمّ سأقرأ لنفسي كمجانين الطّرقات التّائهة التي تسأل وتجيب . حين تقلع عن القراءة أنت ، أقلع عن الكتابة أنا … ولهذا سأقف هنا . ستقول قد يقرأها غيري .أتعتقد أنّ أحداً مثلك يهتمّ ؟ لن تهمّ ثرثرتي أحد . قد يكونوا على حقّ ، أولئك الذين قالوا لي أنّ العالم فيه غيرالحروب لنكتب عنها ، فيه الحبّ مثلاً ، فيه الفرح فيه الجمال . قد يكونوا على حقّ أولئك الذين قالوا أنّ العالم يدور و يتحوّل باستمرار ، رغم أنّي منذ 12 سنة ، لم أشعر بشيئ فيه تغيّر سوى أبنية الباطون التي حجبت عن غرفتي نور الشّمس فصرت أتأخر بالنّوم أكثر .
منذ 12 سنة ، انتفضت من الفراش كألعاب النّار . كانت أمّي تزغرد، زغردت طويلاً ، طويلاً … حاولت أن أحرّك لساني بسرعةٍ مثلها لأصدر الصّوت المزعج نفسه ، كررت الأمر كثيراً لكنّي لم أنجح ، فأتيت بملعقة الخشب الفارعة الطّول مع غطاء نحاسيّ وبدأت مراسمي. شعرت حينها بأنّي أريد فقط أن أركض أن أقفز وأصرخ لتحمّر وجنتيّ من كثرة الصّراخ ، شعرت أنّي حرّة وأنّ كلّ صرخة أطلقتها كانت تخترق آذان العالم كلّه . احتفلت كالجميع بذلّهم وبكيت فرحاً ، احتفلت بدموعهم وآلامهم وخيبتهم ، احتفلت بالهواء بالوقت بالأرض بجدران المنزل التي لم تسقط ،… احتفلت بفناء تلك اللحظة التي كنت أهرع بها لأختبئ في بيت الدّرج من القصف والوحشيّة ، احتفلت بالسّكينة،… احتفلت بالحياة . ومن هنا ، لن أرثيك . سأقول لك: شكراً ..
لن أقول لك أنّ الوطن الذي رحلت لأجله هونفسه الوطن منذ 12 سنة . لن أقول لك أنّ الماء لا زالت مقطوعة والكهرباء أيضاً والغابات محروقة وزحمة السّير تزداد مع ولادة كل مئة طفل ، لن أقول لك أنّ عكّار تشبه مجاهل الأمازون وأنه قضى فيها رجل من لدغة أفعى ، لن أٌقول لك أنّ البقاع لا زال يحصد ضحايا إقتتال العشائر وأنّه لا قيمة فيه سوى لغريزة الثّأر ولا كلمة سوى لرشقة السّلاح الواحد الأحد . لن أقول لك أنّ رغيف الخبز “زم” ليبق على سعره وأنّ رئيس الإتّحاد العمّالي العام يكره العمّال ! لن أقول لك أنّ الخزينة تصفر من القلّة ولا مال فيها سوى للسلطان ، لن أقول لك أنّ الأبرياء في السّجون، والعملاء ينتشون من كأس الخيانة بالحفظ والصّون .. لن أخبرك عن حرب تمّوز ، لن أقول لك أنّ ذقوناً بعدها طالت وكثفت وعمامات كبرت وكبر معها النّفاق ، لن أخبرك عن خيانة العقيدة والبطر والغرور . أعلم أنّك لو كنت هنا لقاومتهم بكلّ جوارحك وانتصرت . لكنّك لست هنا .
لست هنا ، لست بين الأزّقة الفاحشة الثّراء ولا في الأزّقة التي ترشح بؤساً ، لست في الشّوارع المدججة بفواصل حديد وعوازل باطون مسلّح لحماية من سرق شعباً بأمّه وأبيه ، لست بين الوجوه المتعبة ورماد السّجائر المتطاير من كلّ مكان ، لست تسير مع ابنتك الصّغيرة في نزهةٍ عند العصر ولست تقبّل جبين أمّك التي اشتاقت إاليك، لست بين أصحابك أو بين الكتب أو مع حبيبة القلب في ظلّ شجرة … أنت هناك في ذاك الوطن البعيد الذي لك وحدك ، في ذاك الوطن الذي يحسب الأرواح أرواحاً لا أعداداً تنقص وتزيد، أنت هناك في عالم الصّفح والغفران ، فلتصفح لنا .
فلتصفح لنا ، نحن الذين نحرق أيّامنا ونحرق أنفسنا كلّ يوم ، وننثر فوق رؤوس من يعطينا الدّم دخان ، إصفح لنا نحن الذين نجيد التّململ والنّحيب والبكاء بعد كلّ خطيئة أمام صناديق الإقتراع ، إصفح لنا نحن الأغبياء الذين نعبد طوائفنا ونهوى كلّ أنواع الشّعارات ، نصفّق لنختار جلاّدنا الذي يغرينا في كلّ مرّة بوردة ويزيّن فيها بعد الجلد مراسم عزائنا . إصفح لنا … فنحن منذ 12سنة على دحر الإسرائيلي لم نتمكن من بناء وطن . نحن الآن موتى ،… لعلّنا لا نستحقّ فرصة للحياة .
حرّاً ، تحلّق وحدك في كلّ مكان فلتنظر إلى الأسفل قليلاً : لا تغضب منّا ، لا تحزن علينا، نحن من اختار الموت …فصلِّ لرحمتنا .
جنى الأحمر
17-5-2012
Posted on May 17, 2012, in art, Events, freedom of speech, Love, make me smile and tagged 25 may, freedom, jana, Lebanon, martyrdom, pray for us, Resistance. Bookmark the permalink. Leave a comment.


Leave a comment
Comments 0