والآن إلى أين أذهب؟

«والآن إلى أين أذهب؟»

“في أوساط الجيش يفضّلون التزام الصمت، صباح (الاثنين) اجتمعت هيئة الأركان، ونقلا عن لسان أحد المجتمعين الذي روى ذلك لمراسل جريدة «دافار» لم يخصّص رئيس الأركان إلّا خمس دقائق «لأحداث صبرا وشاتيلا»، لم يُبْدِ أحدٌ أيّة ملاحظة، لم يطرح أحدٌ أيّ سؤال، لم يطلب أحد الكلام.
في هذه الأثناء، وفي نفس اللحظة بالقرب من مقبرة جماعية، كانت امرأة تذرع الأرض ذهابا وإيابا، تمشي وتمشي ولا تتوقّف، 13 فردا من أفراد عائلتها قتلوا، بينهم طفل عمره 4 أشهر، أخيرا توقّفت وتربّعت على الأرض، وأخذت تكمش التراب وتهيله على رأسها، وتصرخ: «والآن إلى أين أذهب؟»…*”  . أنتهي من القراءة وأغلق الجريدة  دون أن أسأله رأيه هذه المرّة ، أجمع أغراضي المبعثرة بفوضوية في حقيبة كتفي وأتهيّا للخروج . يستوقفني بنبرة صوته المميزة مشيراً إليّ أن أجلس في المقعد قبالته  ، أعتذر بنبرةٍ متأرجحة وأنصرف .

أمشي بضع خطوات ثمّ أعود إليه ، أضع الجريدة على طرف الطّاولة  أخفي وجهي بين كفيّ وأحاول أن أخبّئ رغبة البكاء التي ولدت فجأة . أخبّأه طويلاً وكأنّها خطيئة . يصمت طويلاً ثمّ ينصحني أنأبكي دون خجل فهو على كلّ حال لن يراني . أنظر إليه بتعب ثمّ أجيبه بكثيرٍ من الدّجل أنّي لا أريد البكاء .

تمرّ لحظات وأنا أسرّح نظري نحو حدود البحر وأحاول أن أخرج كلّ الأفكار من رأسي . تلك الأفكار التي ترفض أن تكبر وأن تظهر وأن تختفي ، تلك الأفكار التي تبني بيني وبين الزّرقة البعيدة بيتاً لا نوافذ له . تمرّ لحظات وأنا أعجز عن رؤية هذا المدى دون غشاوة في ذاكرة الأمس ودون غبار على جدار الرّأس ، دون تفكير بإمعائي الخاوي ودون حنين إلى منزل جدتي العتيق حيث عناقيد العنبوأزهار الجوري ورائحة الياسمين .

ألتفت نحوه وأحدّق بعينيه طويلا ًدون قلق ، أكاد أن أسأله عن الطّقس، ثمّ أصمت لشدّة سخافة السّؤال ولشدّة عجزي عن التّركيز ولشدّة ما أنا متعبة . تعسل تلك الجملة التي قرأتها للتوّ في رأسي وأحيانا لم يكتفِ القتلة بالقتل، بل كانوا يقطّعون أعضاء ضحاياهم قبل الإجهاز عليهم، ويحطّمون رؤوس الأطفال والرضّع على الجدران ويغتصبون النساء والفتيات الصغيرات قبل أن يقطعوهنّ بالفراعة. وأحياناً كانوا يتركون واحدا من أفراد العائلة على قيد الحياة، ويقتلون الآخرين أمام عينيه ليذهب ويخبر بما عاش وشاهد”*. أكاد أن أسأله عمّا شاهد أو عن آخر ما شاهد قبل أن يخطفوا منه بصره ، أكاد ان أسأله عن الألوان التي زالت فجأة وعن الضوء الذي اختفى بلحظة إلى غير رجعة …أكاد أن أسأله كيف سينسى ومتى سأنسى و متى سنعود إلى دمشق ؟ كيف سيخرج من ذاكرته صور الجثث المقطّعة المرمية في كلّ مكان ؟ كيف أجيب فتاة صغيرة  سألتني ” من هم ” ( أي القتلة) وسألتني عن الفرق بين المغتصب الذي يذبح في غيرأرضه والمواطن الذي يذبح في أرضه ؟  أأجيبها ب” أنّ الإنسان أسوأ من الحيوان حين يكون حيواناً” ؟  وعدتها أن أجيبها يوماً  تلك الصّغيرة ، لكن يبدو أنّي لن أفعل ، فأنا لا أجيد في تلك الفترة شيئاً ولا “أحترف سوى الحزن والإنتظار ” أحترفهما بقدر ما يحترفون “هم ” النّفاق … ربي فعلاً من هم ؟ من هم هؤلاء الذين يسلبون الميت من نفسه  و”إن نظرنا بانتباه إلى ميت، فإن ظاهرةً غريبة تلفت نظرنا: فغياب الحياة في هذا الجسد يعادل الغياب الكليّ للجسد، “* من هم هؤلاء الذين يسلبون الحي من نفسه ،وكيف صرت نموذجاً لهذا الحيّ ؟ كيف أصوّر البحر مثلاً لو طلب منّي جليسي أن أصوّر له البحر، ماذا أقول له ؟ البحر أزرق وكبير ؟ البحر لم أر فيه شيئاً جديد ؟ البحر … ممل . أأقول له أنّ كلّ الأشياء حولي مملّة ؟ أأخبره أنّي أجهل في أيّ أرضٍ هو أخي ، وأنّي أعجز عن النّوم منذ فترةٍ طويلة. والخوف ؟ حجم الخوف ؟ والألم ؟ حجم الألم؟ لا ، لن يعرف أحد، لن يفهم أحد . لن يفهم أحد كم اشتقت إلى بيتنا ، إلى جدتي ، إلى شبابيك بيتها الكبيرة ، إلى دبابيسها المعلّقة على السّتائر المخمليّة الحمراء . لن يفهم أحد كم أوّد لو أعود إليها فتصنع  لجسدي الهزيل فستاناً وتطعمني من “السّكر نبات ” الذي تخبئه في مكانٍ ما لم أعثر عليه يوماً   ، كم أوّد لو أترك هذا المقعد  وأحمل الزّمن في حقيبة كتفي وأهرب ،أختبئ خلف الأبواب الخشبية  وأفرغ كلّ ما في جعبتي من غضب وفوضى وكذب وخيبات وملل وألم . كم أوّد أن أركب دراجتي الحمراء القديمة وأدور فيه ، وأحكي لجدرانه عن تلك الصّغيرة التي كبرت وعن تلك الكبيرة التي سئمت  .كم أوّد أن أخبره عن هرمي ،  عن المئة عام التي أشعر بها في لحمي وعظمي . كم أوّد أن  أخبره عن الإنسان الغبي والإنسان المجرم والإنسان الرّخيص …كم أوّد أن أتلو صلاتي في دارها بهدوء وأجمع الأمل والإيمان في زوادة عند الصّبح بهدوء وأعود بهدوء. أنتهي بصمتٍ من النّحيب ، أكشف وجهي أفتح عينيّ للبحر وأراه  … أرى البحر .
أضع الجريدة في حقيبتي ، ليس لأؤجج رغبة البكاء في كلّ مرة أرغب فيه ، وليس لأستذكر صبرا وشاتيلا كلّ يوم ، أوّد أن أحتفظ بها لسبب واحد فقط :  بعد 30 عام  ، سيكررون سرد الأحداث نفسها مع عبارات بقرالبطون وفقر العيون  المقززة  نفسها ، سيستخدمون الحقل المعجمي للذبح  نفسه  ، سيعددون المحافظات السّورية سيحصون القتلى وسيصفون الموت والموتى ، وسيكتبون في أعلى الصّفحة ” كي لا ننسى ”   سأقرأها  أنا كما سيقرأها الكثيرون مثلي و حين أنتهي سأسأل بإلحاح “من هم”؟  أمّا العالم … فسيلتزم  العالم الصّامت صمته  وسيكرر مع “مناحيم بيغن”  أمام الكنيست  جملته «في شاتيلا وصبرا، أشخاص غير يهود ذبحوا أشخاصاً غير يهود، ففي أيّ شيء يعنينا ذلك؟»* سيتذكّر العالم قليلاً ثمّ ينسى !

 ألتفت نحو جليسي فيبتسم لي … أحمل عصاه أمسك يده ونغادر ، نترك خلفنا مقاعد فارغة وشمساً جميلة تقبّل البحر قبل أن تعود إليه . ألتفت نحوعينيه المغمضتين ، وأسأل في سرّي سؤال المرأة التي  تذرع الأرض ذهابا وإيابا، تمشي وتمشي ولا تتوقّف في المقبرة  الجماعية ” والآن إلى أين أذهب ؟”

جنى الأحمر – 14-9 -2012

*مقتبس من جريدة الأخبار

http://www.al-akhbar.com/society/

Advertisements

About janbein

Gamer research Biologist who loves art, space and sports.

Posted on September 15, 2012, in art, Events, freedom of speech, Love, Sarcasm and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: